The Wire: أحد أعظم الأعمال التلفازية

مسلسل The Wire

 

أكثر من مجرد عرض جريمة ودراما، يعتبر المسلسل إحدى اللوحات الفنية الأمريكية لإحدى أكثر المدن اضطرابا وقلقا وسنعرض فيما يلي بعض الأسباب التي جعلته أحد أعظم الأعمال التلفازية.

 

كبداية، يجب أن نعرف أن المسلسل كان الأول من نوعه، وأن \"دافيد سيمون\" لم يصنع هذه التحفة للترفيه على الجمهور، بل كان تجسيد حي لواقع مدينة بالتيمور في بدايات القرن الواحد والعشرين. وينطلق من قضية تجارة المخدرات إلى مسألة الإعلام وطريقة استهلاكنا له، مرور بكفاح الطبقة العاملة من أجل أبسط الحقوق وطريقة عمل مؤسسات الدولة والنظام. في الحقيقة، يمكن اعتبار هذا المسلسل أول الأعمال التلفازية التي عرضت النظام كالجانب الشرير بدل تجار المخدرات ومرتكبي الجرائم. ولم يكن المسلسل ليكتسب كل تلك الشهرة لو لم يكن مبنيا على قصة متقنة وشخصيات تجاوزت كل التوقعات. 

 

تدور أحداث المسلسل في مدينة بالتيمور في بدايات القرن الواحد والعشرين، وهي إحدى المدن الأمريكية المتدهورة اقتصاديا وسياسيا، ولكن هذا ما قد تبدو عليه الأمور للوهلة الأولى، إذ إن فلسفة المسلسل ذهبت أبعد من ذلك لتشمل جل القضايا والمشاكل التي تعاني منها معظم المجتمعات الغربية بالخصوص، وذلك عن طريق عرض وتحليل سلوك الإنسان ومدى استغلاله لمنصبه ورتبته الاجتماعية لبلوغ المصالح الشخصية دون العامة على مر العصور. فكل القضايا التي تعرض لها المسلسل هي الواقع الذي نصطدم به في هوامش معظم المدن الكبرى من جريمة وإدمان مخدرات ودعارة.

 

وهذه المرة، على غير ما جرت به العادة، يسلط المسلسل الضوء على النظام مركزا على أدق التفاصيل، وأصدق الأحداث، ويصحبنا إلى حقيقة النظام وكيف يساهم في تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية عوض إصلاحها وابتكار حلول لها. فإذا كان هنالك عدو يجب أخذه بعين الاعتبار أكثر من أي شيء آخر، فهو النظام؛ فبينما يكد الفقير والتعيس بجهد لتوفير لقمة عيشه، يسعى رجال الشرطة إلى الترقي ويسعى السياسيون إلى مناصب تمنحهم سلطة أكبر دون أي نية لاستعمال هذه السلطة كما يجب، ودون الاكتراث إلى الإصلاح أو التحسين من وضع ذاك الفقير التعيس.

 

بانتهاء الموسم الثاني، يكون العرض قد أوضح بشكل فني واقعي أوجه التشابه بين آلية عمل مؤسسات الدولة وآلية عمل العصابات، فنرى كيف يأخذ الأكثر دهاء ومكرا السلطة سواء في قسم الشرطة أو في زوايا بيع الممنوعات. 

 

وهكذا يكون هذا العرض التلفزي قد أصلح نظرتنا لمفهومي الخير والشر، وكانت إحدى الشخصيات التي ساهمت بدور كبير في هذا الإصلاح هي \"عمر\"! فقد كان حتى رؤوس العصابات يرتعدون كلما سمعوا اسمه أو جملة \"Omar is coming'\" وذلك لأن عمر لم يكن مجرد رجل أسود مع بندقية، بل كان داهية ومخططا بارعا لا يترك أصغر الآثار وراءه وينفذ كل خططه بدقة واحتراف. ولكن ما يجعله يلمع من بين كل الشخصيات الأخرى هي المنظومة الأخلاقية الخاصة به، إذ ينهب ويسرق فقط الكبار الذين لن يتأثروا بما سرق منهم ولا يتردد في استعمال كل الوسائل الممكنة ليرغم كل من حوله على ابداء احترامهم وخوفهم في نفس الوقت. أدى دور \"عمر\" الممثل المبدع \"مايكل ويليامز\" وقدمه كشخصية ذات ذكاء يكاد أن يكون خارقا، شخصية تخطط وتضع كل المخاطر في الحسبان كلاعب شطرنج محترف.

 

هنالك طبعا شخصيات أخرى جعلت من هذا العمل التلفازي أيقونة فنية ك \"إدريس إلبا\" الذي أدى دور \"سترينغر بيل\" بشكل مطلق حتى ليظن المشاهد أنه خلق ليتقمص ذلك الدور بالذات، وهناك أيضا النابغة \"دومينيك ويست\" ك \"جيمي مكنالتي\" العبقري الذي يقود القادة... وشخصيات أخرى ساهمت كلها في خلق هذا العمل العظيم الذي مازلنا نشاهده ونسمع عنه حتى يومنا وهذا. 

 

إن حبكة القصة والعلاقات بين الشخصيات والتسلسل الدقيق والتدريجي للأحداث، كانت كلها عوامل ساهمت في نجاح كبير للمسلسل، وبانتهائك من الموسم الأخير ستدرك أن المسلسل لم يسم بذلك الاسم فقط لأن وحدة مكافحة المخدرات تستعمل أجهزة تنصت وتتبع، بل سمي كذلك لأنه يصف ويكشف الخيط الدقيق بين كل طبقات المجتمع وفئاته وكذلك بين الفرد والمؤسسة وأيضا العلاقات المخفية بين أفراد كل فئة من فئات المجتمع وكيف تحدد هذه العلاقات بنية وشكل المجتمع. 

 

كل ما ذكرناه قليلا في حق تحفة دافيد سيمون هذه، ولن نوفيه حقه مهما كتبنا ووصفنا، لكن ذلك لن يمنعنا من مشاهدته وإعادة مشاهدته مرارا وتكرارا، فبعد كل مشاهدة ستظهر لك تفاصيل جديدة لم تلاحظها في المشاهدة السابقة، بل ستظن أنك تشاهد عملا أخر. 

 

بقلم الكاتب: عبد الحميد حادين

 

 

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author
ABDELHAMID HADINE
3 followers