الدقائق العشر والنفس الأخير

        أخي الحبيب، اعلم يقيناً بأنك سوف تنزل مكرهاً من قطار الحياة في المحطة التي لم تكن أبداً تتوقع النزول فيها، وفي الوقت الذي لم تكن أبداً تتوقعه، ودون إشعار أو سابق إنذار، ثم، لو فرضنا جدلاً لا حقيقة لها بأنك أبلغت بأنه لم يتبقى لك في هذه الحياة سوى عشرة دقائق فقط، فما كنت صانعاً فيها؟!

        طرحت هذا السؤال على كثير من الناس الذين أعرفهم، فكانت الإجابات مفاجأة ومذهلة وغير متوقعة، كنت أعتقد بأن الجميع سيقول: سوف استغفر الله وأتوب إليه وأصلى فيها ركعتين وأطيل السجود فيها، أسبح الله، وأدعوه، واستغفره، وأتوب إليه، حتى يقبضني الله عز وجل وأنا على تلك الحالة من الذل والخضوع ساجداً تائباً في عبادة من أصول الإسلام ألا وهي الصلاة.

        لكن ذهلني أحدهم بجوابه حين قال ساخراً: سوف أدخن سيجارة، فارتعد قلبي من مكامنه، لكنها هانت عندي حين قال الآخر كلاماً تهتز له السموات والأرض، وهو يضحك ويقهقه ويعتقد بأن الأمر هزل، وفكاهة.

        في تلك اللحظة تذكرت فضيلة الشيخ كشك - رحمه الله – والذي أفنى حياته في الدعوة إلي الله عز وجل، وتذكرت دعاؤه المستمر في نهاية معظم خطبه التي كان يخطبها، ورجاؤه في الله بأن يختم له بالخاتمة الحسنة،  ورجاؤه في أن يموت لله ساجداً، ثم تذكرت وفاته في يوم الجمعة التي أمضى عمره كله متأهباً لخطبة الجمعة، وهو ساجد في الركعة الثانية من صلاة النافلة التي تعود أن يصليها قبل خروجه من المنزل لخطبة الجمعة.

        وأبحرت بي سفن الذكريات تقلب في ذاكرتي، فتذكرت شخصاً توفي وهو ساجد في صلاة الفجر في المسجد، وآخر مات ساجداً في صحن الكعبة المشرفة، وأخرى ماتت وهي ترقص وتغني على خشبة المسرح التي أهدرت زهرة شبابها في فتنة الناس عليه، وآخر مات وهو يشرب المخدرات، وآخر مات وهو يرتكب الفاحشة، وغيره وغيره ...

        في تلك اللحظة تذكرت هذه العبارة: (من عاش على شيء مات عليه)، وتذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( يبعث كل عبد على ما مات عليه)، وفي لفظ : (مَنْ ماتَ على شيءٍ بَعثَهُ اللهُ عليْهِ)، فعلمت أن هذه العبارات لم تخرج عبثاً، ولم تخرج عفواً، بل استقرت في القلوب، ونطق بها اللسان قصداً أو عفواً، ليجريها الله على لسان صاحبها لتكون حجة عليه.

        قال أحدهم لصاحبه وهو يمازحه، موعدنا في جهنم إن شاء الله، ليست زلة لسان؛ بل سوء ظن بالله، ناتج عن سوء عمل، تبعه استدراج له من الله عز وجل، لأنه عاش على ذلك، وفي أعماق قلبة يتمنى أن يموت على ذلك، فلا تصدقوهم حين يزعمون أنهم يتمنون أن يتوب الله عليهم في آخر حياتهم، وقال آخر لصاحبه حين بالغ في الثناء عليه، ربنا يسترنا ويحسن ختامنا، ليست كلمة عابرة، بل توفيق من الله، لأنه عاش على الطاعة، وتلذذ بها، واستقرت في قلبه، فتمنى أن يموت على ذلك.

        إن من مات وهو يرقص ويغني لو سألته قبلها بعشر دقائق، ماذا كنت ستفعل في آخر لحظة من حياتك؟  كان سيجيبك ضاحكاً وساخراً أريد أن أرقص وأغني! فجرى عليه القلم بما استقر في فؤاده، ومن مات وهو يشرب المخدرات كان سيجيبك أريد أن أشرب المخدرات، ومن مات وهو يصلى كان سيجيبك أريد أن أصلى ركعتين لله أتم بهما حياتي، لأنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وتلك سنة ربانية، لأن الجزاء من جنس العمل.

        قال تعالى: }وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{، سورة البقرة الآية (281)، وقال تَعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} سورة آل عمران: (102)، وفي صحيح الإمام البخاري من حديث سهل بن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالخواتيم)، وكان مالك بن دينار يقوم في الليل البهيم الأسود، ويقبض على لحيته ويبكي، ثم ينظر إلى السماء ويقول: يا رب! لقد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار.

        ليس من عادتي بث حالة من القنوط واليأس في النفوس، وإنما أردت أن أدق ناقوس الخطر، قبل أن يصل بك القطار سريعاً وأنت لا تشعر، إلي المحطة التي كتب لك أن تقبض فيها مكرهاً، تاركاً خلفك أرتال من الأمنيات والأحلام التي لم تتحقق بعد، والتي لم تكن تظن أنك لن تصل إليها، فانتبه، وارجع، وذكر غيرك لعله يرجع، ولا تستصغر نصيحة، أو كلمة، أو إشارة إلي خير، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وربما تكون تلك الكلمة هي مفتاح نجاتك ونجاة غيرك من النار غداً.

        اللهم اغفر لنا و أرحمنا، وتب علينا وتجاوز عن سيئاتنا، ووفقنا لما تحب وترضى، وصلى اللهم وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

كتبه الفقير إلي عفو ربه: هاني نبيل عبد الحميد

يوم: (الأربعاء)، الموافق: 27-7-2022م

Comments
Ahmed - Jul 28, 2022, 12:31 PM - Add Reply

Good

You must be logged in to post a comment.
‪Hany Metwalli‬‏ - Aug 8, 2022, 1:08 AM - Add Reply

Thank my dear Ahmed

You must be logged in to post a comment.

You must be logged in to post a comment.

About Author

مصمم مواقع وبرامج مكتبية وكاتب محتوى هادف