صديقي الذي قتله الحب: قصة قصيرة

كان صاحبي حسن شاباً خلوقاً، دائم البسمة، خفيف الظل، وكان يعشق الشعر إلى حد لا نظير له بين من عرفتهم، وكان عاطفياً بدرجة كبيرة جداً، وكان يحب الحياة، ويعشقها، وكان يحب مساعدة الآخرين، ويعطف على المحتاجين.

وذات يوم كنا في سفر، وجلسنا سويةً في مؤخرة الأتوبيس، وكان إلى جوارنا شاب بدا من ملابسه الأنيقة الفاخرة أنه من أبناء الطبقة الثرية، وكان مشغولاً بقراءة كتاب في يده، وكنا نتعجب، ونتساءل، لماذا يركب مثل هذا الشخص في وسيلة النقل العامة، علمت بعد سنوات أنه القدر.

بعد دقائق، يبدو أنه فرغ من قراءة الكتاب، ثم تنهد تنهيدة عجيبة، وكأنه كان يحمل جبلاً وأزاحه عن كاهله، ثم وضع الكتاب إلى جانبه، عندها التقطت عينا صديقي حسن الكتاب، وعندما قرأ عنوان الكتاب: (لوعة الحب)، لمعت عيناه، وطلب على الفور من صاحبنا مطالعة الكتاب، والذي وافق على الفور ودون تردد.

غاص صاحبي حسن في أعماق الكتاب، وغاب عن عالمنا واندمج في عالم الكتاب، يبحر في موضوعاته وقصصه التي بدا من عينيه أنها لامست شغاف قلبه، حتى أنه هجرني ولم يعد يجيب عن تساؤلاتي، وكأنه انتقل من عالمنا إلى عالم الكتاب والخيال.

لاحظ صاحب الكتاب مدى اهتمام حسن بالكتاب، وعندما هم بالنزول من الأتوبيس، ناوله حسن الكتاب وكأنه ينتزع معه قلبه، وهنا فاجئنا هذا الثري المحترم، بقوله: الكتاب هدية مني لك، لم يصدق صاحبي تلك الكلمات، وكاد أن يسقط من شدة الفرح، وبكلمات متلعثمة، توجه بالشكر لصاحب الكتاب، والذي نزل بسرعة وكأنه لا يبالي.

احتضن صديقي حسن الكتاب، وظل صامتاً بجواري يقلب بين صفحاته، وعندما وصلنا إلى المحطة التي سوف ننزل فيها، كنت أجذبه جذباً حتى أخرجه من عالم الخيال إلى واقعنا المرير.

اصطحب حسن الكتاب إلى البيت، وظل عاكفاً عليه طوال الليل حتى أنهى الكتاب، وفي الصباح الباكر طرق بابي، وطلب منى اصطحابه إلى المكتبة لشراء بعض الكتب، وعندما ذهبنا للمكتبة، اشترى ما يقارب الخمس كتب، كلها لكاتبة واحدة تدعى: (ليلي رضوان)، تعجبت من الاسم، فلم اسمع به من قبل، فسألته عنها، فأجاب، بأنها كاتبة الكتاب الذي ظفر به بالأمس.

سألته لماذا تشترى كل هذه الكتب، وأنت بحاجة للمال من أجل استكمال دراستك، أنت الآن بالماجيستير وسوف تحتاج لكل مليم من أجل المصاريف الجامعية الباهظة، فأجاب آه يا أحمد لو قرأت الكتاب، لقد أسرني أسلوبها في الكتابة، وشعرت بأن روحي هي التي تكتب وليس هي، والله لو اشتريت كل كتبها بكل ما أملك، لن أندم على ذلك أبداً.

طلبت منه أحد الكتب، وأخذت أقلب سريعاً في فهرس الكتاب، فوجدته يتحدث عن العشق والغرام، ثم تناولت كتاباً آخر فوجدته يتحدث عن قصص العشاق، والآخر عن ألم الفراق بين الأحبة، كل الكتب تتحدث عن الحب والعشق والغرام.

وأنا أقلب في أحد الكتب، وجدت صورة صغيرة للكاتبة، في الصفحة التي تلي فهرس الكتاب من آخره، وهنا كانت المفاجأة، الكاتبة لا تزال شابة صغيرة، وبارعة الحسن والجمال، وعندما طلبت منه أن ينظر إليها، كأنني أخذت سهماً وغرسته في قلبه.

منذ أن رأى صاحبي حسن صورة الكاتبة الشابة تعلق قلبه بها، فهي لم تكن بارعة في الكتابة وحسب، بل في الجمال، وخطف القلوب أيضاً، ومنذ تلك اللحظة وهو يشتري كل كتبها، يقرئها ويعيد قراءتها أكثر من مرة، ثم يكتب ملاحظاته عليها.

لم تعجبني تلك التصرفات، وبدأت أعاتبه على ذلك، فكان يهاجمني بشدة، ويدافع عنها وكأنها زوجته، في تلك الأثناء اضطررت للسفر إلى الخارج، قضيت ستة أشهر لأعود إلى مصر مرة أخرى، لأشهد على تلك المأساة الحقيقية.

في تلك الفترة التي سافرت فيها، ظل صاحبي يبحث عن تلك الكاتبة الشابة، بحث عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وظل يراسلها، لأكثر من ستة أشهر متواصلة، يتحدث معها كمحب يناجي محبوبته، ويكتب لها ملاحظاته على كتبها، ويطلب منها أن تحن عليه بكلمة، أو إشارة، أو رسالة، وهي تتجاهل كل رسائله.

رأيته بعد تلك الأشهر الستة شخصاً آخر غير الذي عرفته، هزيلاً ضعيفاً فاتراً مهزوماً، أشعل الحب نيران قلبه، ووضع غشاوة على عقله، فضعفت أمام تلك الحالة المزرية لصديق عمري، فقررت المساعدة.

كان لي صديق حميم يعمل كاتباً صحفياً في إحدى الصحف القومية، وكان من عائلة كبيرة لها نفوذ واسع في قريتنا الصغيرة، اتصلت به وطلبت منه المساعدة، فطلب مني اسم الكاتبة، الذي بدا وكأنه لا يعرفها ولم يسمع قط عنها، لكنه أكد لي أنه سوف يجلب لي معلومات كافية عنها.

لم يصبر صديقي حسن، ولم ينتظر صاحبنا حتى يأتي بالأخبار المفرحة، وقرر زيارة دار النشر للاستفسار عن أي معلومات تفيده في الوصول إلى تلك الكاتبة الشابة، وحين وصل إلى عنوان دار النشر، اتصل بي وطلب مني أن أصحبه إلى مقر دار النشر، إلا أنه قرر فجأة وعلى الفور الذهاب إليها وحده قبل أن أصل إلى منزله.

وصلت إلى المنزل، فأبلغني والده بأنه خرج منذ لحظات، فخشيت أن يكون قد غضب مني لأنني تأخرت عليه قليلاً، فاتصلت به فأبلغني بأنه في طريقه إلى دار النشر، وأبلغته أنني في أثره إليها.

في طريقي إلى دار النشر، اتصل بي صاحبي عماد الذي يعمل في الصحيفة القومية، استبشرت بهذا الاتصال، واعتقدت بأن الأخبار السعيدة تأتي معاً، لكنه كان أسوأ اتصال تلقيته في حياتي، أبلغني عماد بأن صديقنا حسن قد انتحر.

طاش عقلي من هول الخبر، ولم أصدق ما يقوله عماد، فقلت: متى؟ وكيف؟ ولماذا؟!!!

فقال: قبل قليل، ألقى بنفسه في النيل، أمام دار الكتاب الوردي للنشر، فقلت له بالفعل كان في طريقه إليها، ولكن لماذا فعل ذلك؟ فقال عماد: لا أحد يعرف التفاصيل حتى الآن، لكنني أعدك بأنني سوف أبلغك بأي معلومات تصلني عن الحادثة.

لم انتظر، واتجهت نحو دار النشر، وبالفعل وجدت جثة صاحبي حسن مغطاة على الأرض، إلى جوار كورنيش النيل، على بعد خطوات من دار النشر.

اتجهت إلى داخل دار النشر، وسألت عن سبب انتحار صاحبي حسن، فاصطحبني أحد الموظفين إلى مكتب المدير، والذي سألني عن صلة قرابتي بحسن، فقلت أنا صديق طفولته، ثم سألته: هل قابل صاحبي الكاتبة (ليلي رضوان) هنا، وتعاملت معه بشكل غير لائق دفعه للانتحار.

فأجاب على الفور، لا، فقلت له، فما سبب انتحاره إذن؟ فقال وليته ما نطق، إن (ليلي رضوان) رحمها الله، وقبل أن يستطرد بكلمة أخرى، كأنني صعقت، فانتفضت من مكاني، وقلت: رحمها الله، هل ماتت (ليلي رضوان)، فقال: نعم، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: هل تعرفها؟ فقلت: لا، ولكن صديقي حسن كان مغرماً بها، وكان يتمنى أن يتعرف عليها، وأن يراها لو للحظة واحدة.

فقلت له الآن عرفت لماذا انتحر صاحبي حسن، ما أن سمع بأنها ماتت، أصابه الحزن والألم والأسى وقرر الانتحار، فقال: الأمر معقد أكثر من ذلك يا ولدي، هل تعرف متى توفيت (ليلي رضوان)، فقلت: لا أعلم، فقال: توفيت قبل خمسة وعشرين عاماً!!!

نزل الخبر على مسامعي كالصاعقة، وقلت على الفور، متى؟ فأعاد، قبل خمسة وعشرين عاماً، قلت كيف ذلك، وصورتها على الغلاف، شابة صغيرة، ولا يعرفها أحد، وكتبها كلها طبعاتها جديدة، وكتبها لا تزال تنشر حديثاً، وهذا يعني أنها كاتبة جديدة، فقال: (ليلي رضوان)، لم تكن كاتبة مشهورة، ولم تكتب هذه الكتب للنشر، وإنما كانت تكتبها كخواطر ومذكرات شخصية، ولما توفيت قبل خمسة وعشرين عاماً وهي في الثالثة والسبعين من عمرها، أهدت تلك المذكرات لحفيدتها الصغيرة، التي لم تتجاوز العشر سنوات وقتها، وحين بلغت الخامسة والثلاثين من عمرها، قررت نشر هذه الخواطر والمذكرات، بعد تنقيحها، تخليداً لذكرى جدتها عليها رحمة الله.

فقلت: والصورة؟ فقال: بحثت حفيدتها عن صورة لجدتها، فلم نجد لها صورة سوى تلك الصورة التي التقطت لها وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، وكانت بالأبيض والأسود، ولكن قسم الجرافيك لدينا استطاع تصحيح الألوان، وإخراج الصورة بالشكل الذي يظهر على صفحات الكتب.

عندها فقط أدركت حقيقة المأساة التي دفعت صاحبي حسن للانتحار، فقد تعلق قلبه بامرأة تكبره بأكثر من خمسين عاماً، وليس هذا فحسب، بل ماتت قبل أن يعرفها بخمسة وعشرين عاماً!!!

 

الكاتب/ هاني نبيل عبد الحميد

يوم (الثلاثاء)، الموافق: 2-8-2022م

 

 

 

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author

مصمم مواقع وبرامج مكتبية وكاتب محتوى هادف