منتج بدون زكيبة.. حسين القلا نموذجا

كانت السينما المصرية محظوظة طوال تاريخها بعدد لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة من المنتجين، في مقدمتهم المنتج الفلسطيني الأصل حسين القلا. أنا مفتون بسيرة هذاالرجل، رغم أنني لم ألتقِ به في حياتي، فقط هاتفته منذ سنوات لأعرض عليه عملاً سينمائياً، وكان ودوداً ولطيفاً للغاية على عكس غالبية المنتجين للأسف الشديد، لكن مشروع لقائنا لم يتم، وتوقف هو بعد ذلك عن العمل وسافر للإقامة في سوريا. من وقتها وأنا أتأمل بعض أفكار مشروعاتي السينمائية، أتنهد بعمق ثم  أقول: آآآآآآه، هذا مشروع يحتاج إلى حسين القلا منتجاً.

ثم أجدني رغماً عني أكتب اسمه في بحث جوجل، وأستغرق بعدها في قراءة تصريحات وحوارات قديمة له. تصيبني الدهشة كثيراً وأنا أتأمل قائمة الأفلام التي أنتجها هذا الرجل العظيم. يكفي أن تعلم أن فيلمه الأول كان (حدوتة مصرية) مع يوسف شاهين، ثم توالت الأفلام العظيمة بداية من (الحب في الثلاجة) و(أربعة في مهمة رسمية)، (للحب قصة أخيرة)، ومرورا بـ(زوجة رجل مهم)، و(الكيت كات)، و(رغبة متوحشة)، و(أرض الأحلام)، و(أرض الخوف)، والكثير من الأعمال التي لا يكفي مقال واحد لحصرها أو الحديث عن قيمتها الفنية. سنوات طويلة من العمل يتعرض بعدها القلا لأزمة مالية، لكنه لا يستسلم، ويفاجيء السوق بفيلم جديد يستحق دون جدال وصف (المغامرة الفنية)، وهو فيلم (أوقات فراغ) الذي اشترى السيناريو الخاص به من شاب في نفس عمر أبطال الفيلم. وروى القلا في حديث صحفي أن المؤلف الشاب لم يتمكن من توقيع التنازل المطلوب للتصوير في الشهر العقاري بسبب صغر سنه، واضطر القلا للاستعانة بولي أمره لتوقيع التنازل بدلاً منه وفقاً للقانون.

 

هل هناك مغامرة أكثر من التعاقد مع كاتب سيناريو لم يبلغ السن القانوني بعد؟ كان القلا بالتأكيد يدرك أنها مغامرة، لكنه انتصر لشيء آخر هو حرصه على تقديم فيلم عن حياة المراهقين كتبه واحد منهم، وهنا ينتصر السعي إلى الصدق على الخوف من المغامرة، ويثبت القلا أن رهانه كان صحيحاً وينجح الفيلم بشكل كبير. ومن بعده قدم القلا فيلم  (الماجيك) الذي لم يحقق نجاحاً كبيراً، وكان خاتمة لمسيرة حسين القلا الإنتاجية في مصر، وقد ترددت أنباء منذ أعوام عن عودته للإنتاج بفيلم من بطولة محمود حميدة، لكن ذلك لم يحدث للأسف.

أستعير هنا جملة قالها حسين القلا في أحد حواراته الصحفية: (صنعت تاريخي بالمغامرات والخسائر)، فهي جملة تلخص بالفعل الدور المنشود للمنتج السينمائي الذي يجب أن يدرك أنه ليس مجرد زكيبة أموال ننفقها على الفن لكي نستعيدها أضعافاً مضاعفة، وكثير من المنتجين حاليا يعتبرون مقياس (شطارتهم) هو المبالغ التي تحققها أفلامهم في دور العرض، ويتنافسون في ذلك تنافساً محموماً، بل ويلجأ بعضهم إلى تزوير أرقام تلك الإيرادات ليصنعوا هالة من النجاح المزيف لأعمالهم التي تكون (تافهة) في كثير من الأحيان.

 

ليس مطلوباً من المنتج أن يحرق أمواله في سبيل الفن أو أن يخسر ثروته ليقدم لنا فناً يعجبنا، لكن دائماً هناك من يستطيع تحقيق المعادلة الصعبة، فيقدم أعمالاً مهمة ولها قيمتها الفنية ويحقق كذلك من ورائها أرباحاً. هذه ليست معجزة أو عملاً خارقاً، لكنها معادلة صعبة لا ينجح في حل طلاسمها سوى من يملكون القدرة على المغامرة، وإذا خيروا بين ثروة تأتي من الإسفاف، وخسارة تصاحب الفن المحترم فإنهم يختارون الاختيار الثاني دون تردد.

لذلك وكما تأملت أحوال السينما المصرية أدعو الله صادقاً أن يرزقنا بحسين القلا جديد لا يملك زكائب فارغة جاء ليملأها من أموال الفن الرخيص.

التعليقات

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

About Author
Hesham aboelmakarm
13 followers

أحدث المقالات
فبراير ٧, ٢٠٢٣, ٩:٢٤ ص - Hana Osama
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٧:٠٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٦:٥٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٥:٥٢ م - مقالات ديفلانسر