تحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في شخصيات رواية زقاق المدق (الجزء الأول)

إن الأدب جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي، وكلاهما يتأثر بالآخر، فالأدب لسان المجتمع الناطق، والمجتمع مادة الأدب الخام التي يستقي منها موضوعاته، ويغترف منها أفكاره وتصوراته، وأغلب الأعمال الأدبية التي خلدها التاريخ هي التي خدمت المجتمع، وقدمت أو عالجت هموم وقضايا ومشكلات المجتمع، وإن المتقصي لأحداث رواية زقاق المدق سوف يلاحظ دون أدنى شك بأن شخصياتها باتت متأثرة بالظواهر الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية أو السلبية المنتشرة في أرجاء المجتمع في تلك الحقبة الزمنية الغابرة من تاريخ مصر، ومن تلك الظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي ظهر أثرها في شخصيات رواية زقاق المدق، الظواهر التالية:

ظاهرة انتشار الفقر:

فقد كانت مصر في تلك الفترة قابعة تحت مطرقة الاحتلال الإنجليزي الغاشم، وسندان الحكم الملكي الفاسد، وبسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، انخفضت أسعار القطن، وتراجعت مستويات المعيشة، وهاجر الناس من الريف إلي المدينة، للبحث عن وظيفة، وخيم الفقر والجوع، مما اضطر العمال للعمل في الجيش الإنجليزي المحتل، وتظهر الرواية بأن الفقر هو الحالة السائدة بين أفراد المجتمع في تلك الفترة، وأنها سبب في انحراف كثير من شخصيات الرواية للفساد أو الرذيلة أو الجريمة، فالفقر هو الذي جعل حميدة مومس، والفقر الناجم عن ضياع الوظيفة الحكومية تسبب في سوء أخلاق الشيخ درويش وطرده من العمل، والفقر هو الذي اضطر حسين كرشة وعباس الحلو للعمل مع المحتل الإنجليزي لزيادة أجورهم.

تظهر الرواية أثر الفقر الواضح في شخصيات الرواية، فنجد الكاتب يصف حميدة قائلاً: "شعرها الأسود الذي تفوح منه رائحة الكيروسين" (ص27)، وتسألها أم حميدة: "كيف تدعين القمل يرعى هذا الشعر الجميل" (ص27)، ويصف ملابسها فيقول: "فستان من الدمور، وملاءة قديمة باهتة، وشبشب رق نعلاه" (ص43)، ومن شدة الفقر يقول حسين كرشة: "الجيش الإنجليزي كنز لا يفنى، على الرحب والسعة ألف غارة وغارة مادامت تقذفنا بالذهب" (ص39)، فيتمنى استمرار الحرب والغارات من أجل الحصول على المال من العمل مع الجيش الإنجليزي المحتل.

موضوعات مشابهة: ملخص رواية زقاق المدق ، تحليل رواية زقاق المدق الجزء الثاني

ظاهرة تفشي الجهل والاعتقاد في الدجل والخرافات:

تفشي الجهل في هذه الرواية هو سيد الموقف، ويتضح أثره في معظم شخصيات الرواية، ففي وصف الكاتب للدكتور بوشي يقول: "دكتور أسنان، يرتدي جلباباً وطاقية وقبقاباً، أخذ فنه من الحياة بغير حاجة إلي مدرسة الطب أو أية مدرسة أخرى، اشتغل تمرجي لطبيب أسنان في الجمالية، ثم برع في ذلك" (ص8)،  ويقول عن السيد رضوان الحسيني: "فشل في أن يظفر بالعالمية في الأزهر" (ص12)، ويتحدث عن اعتقاد أهل الزقاق في أن الشيخ درويش ولي من أولياء الله الصالحين، فيقول: "رجل محبوب مبارك، يستبشر الجميع بوجوده بينهم خيراً، ويقولون عنه إنه ولي من أولياء الله الصالحين، يأتيه الوحي باللغتين العربية والإنجليزية" (ص18)، ويتحدث عن تاجر كبير مثل سليم علوان فيقول: "فكان مثله يضرع خاشعاً إلي ضريح الحسين، وكان مثله يبجل الشيخ درويش ويتبرك به" (ص71)، ويتحدث عن الست سنية عفيفي فيقول: "وهو أن تذهب إلى الشيخة رباح بالباب الأخضر تستقرئها الطالع، وتستوهبها بعض الرقى، فما أحوجها في حالتها هذه إلى حجاب مفيد أو بخور نافع" (ص132)، ويتابع: "كما نذرت للشعراني أربعين شمعة" (ص184)، ويتحدث عن سليم علوان: "شك في أن زوجته عملت له عملاً" (ص261).

ظاهرة التدين الفطري والاستشهاد بالقرآن الكريم:

يظهر أثر التدين الفطري واضحاً في كلام السيد رضوان الحسيني وفي شخصيته، فيقول عنه: "من دجنة الأحزان أخرجه الإيمان إلي نور الحب" (ص12)، ونراه حاضراً في وعظ السيد رضوان الحسيني للشخص الذي يشعر بالملل (ص57)،  وعندما ينصح السيد سليم علوان في مرضه بالانشغال بالذكر والإيمان والصبر (ص194)، وقوله: "حب الحياة نصف العبادة، وحب الآخرة نصفها الآخر" (ص295)، وقوله: "وصلت المصائب ما بيني وبين حكمته على دوام لا ينقطع" (ص296)، وقوله: "ضعيف أذنب، وبريء هلك، فكيف الغفو والرحمة؟!" (ص297).

ونراه في احتشام النساء وارتداء العباءة، فيصف الكاتب زوجة حسين كرشة عندما ذهبت للسيد رضوان الحسيني تشكو سلوك زوجها: "فأقبلت عليه في ملاءتها مبرقعة، وسلمت عليه بطرف الملاءة كيلا تنقض وضوءه" (ص97)، ونلاحظه في سلوك عباس الحلو: "يحافظ على صلاته وصومه، ولا تفوته صلاة الجمعة في سيدنا الحسين" (ص36).

كما نلاحظ التأثر الواضح بالقرآن الكريم، ومعارضته في كثير من المواقف، كقوله: " لا تنتهي حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " (ص16)، وعند وصف عباس الحلو: "بيد انه لم ينكص على عقبيه" (ص87)، وعند وصف السيد سليم علوان بقوله: "وكان يحب الحياة حباً جماً" (ص190)، لكن كانت هناك أيضاً اقتباسات كثيرة في غير موضعها، تشير لسوء أخلاق قائلها: كقول فرج القواد لحميدة: "ومثلك إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون..." (ص209)، وقوله لها: "لا سلطان لأحد عليك، ولا راد لقضائك" (ص238).

ظاهرة الصراعات الاجتماعية:

تمخضت الرواية عن هالة متكدسة من الصراعات، منها الصراعات بين شخصيات الرواية مع بعضها البعض: كالصراع بين حميدة وأمها، وبين حسين كرشة ووالده المعلم كرشة، وبين المعلم كرشة وزوجته، وبين حسنية الفرانة وزوجها جعدة، وبين حسنية الفرانة وزيطة، وبين السيد سليم علوان وزوجته وأبناؤه، وبين حميدة وفرج، وبين حميدة وعباس الحلو، وكذلك الصراع الداخلي بين الشخصية ونفسها: كالصراع بين حميدة ونفسها، وعباس الحلو ونفسه، وسليم علوان ونفسه.

ظاهرة تفشي الجهل السياسي وتأثير المال على السطلة:

وأما عن أثر تفشي ظاهرة الجهل السياسي في شخصيات الرواية فحدث ولا حرج، يقول الكاتب: "فهز عم كامل رأسه وغمغم: "سعد وعدلي مرة أخرى!" كان الرجل لا يدري شيئاً على الإطلاق عن عالم السياسة" (ص156)، ويقول القاضي ابن سليم علوان لأبيه: "كيف لا تكون بيكاً والبلد ملأى ببكوات وباشوات دونك مالاً وجاهاً ومقاماً"، ثم يستطرد الكاتب قائلاً: "كان بإيجاز معدة قوية وجبهة، بيد أن السياسة لا تحتاج في كثير من الأحايين إلي أكثر من هذا" بينما يحذر الابن المحامي قائلاً: "السياسة حقيقة بأن تخرب بيتنا وتلتهم تجارتنا، ستجد نفسك ملزماً بالإنفاق على الحزب أضعاف ما تنفق على نفسك وأهلك وتجارتك، وعسى أن ترشح للبرلمان فتستغرق الانتخابات آلافاً من أموالك دون جدوى، ثمناً لكرسي غير مضمون، وهل البرلمان في بلادنا إلا كمريض بالقلب تهدده السكتة في أي لحظة! إذا اخترت حزباً غير الوفد أضعفت مكانتك في الوسط الذي تعمل فيه، وإذا اخترت الوفد لم تأمن رئيس وزارة كصدقي باشا يجعل تجارتك هشيماً تذروه الرياح"  (ص71)، ويستطرد الكاتب: "واقترح عليه البعض أن يتبرع بقدر من المال لمشروع من المشروعات الخيرية لعله يجزى عليه بالرتبة، وقد أدرك أنها تقتضيه قدراً من المال لا يقل عن الخمسة آلاف جنيه" (ص72).

ويصف الكاتب المرشح السيد إبراهيم فرحات، بأنه تاجر بالنحاسين، ويقول: "ومظهره عامة يشي بأن بطنه أهم كثيراً من رأسه" (ص158)، ويتحدث عن المعلم كرشة وصفقته الانتخابية مع السيد إبراهيم فرحات فيقول: "فيضمن صوته وصوت من يلوذ به من المعلمين وعمالهم، وقدم له خمسة عشر جنيهاً مقدم أتعاب" (ص159)، ويتحدث عن تعامل الحكومة مع المعلم كرشة أثناء الانتخابات فيقول: "ولكن عيون الحكومة راقبته يوم المعركة، وحملته مع غيره في لوري إلي مركز الانتخابات فخرج على إرادة الوفد لأول مرة" (ص160)، ويتحدث على لسان المعلم كرشة فيقول: " إذا كان المال غاية المتنابذين في ميدان الحكم فلا ضير أن يكون كذلك غاية الناخبين المساكين!" (ص160)، ويذكر السيد إبراهيم فرحات الناخبين بالحلوان فيقول: "ولا تنسوا الحلوان إذا فرت في الانتخابات" (ص162)، ويقول أحد رجاله لهم: "لكم ما تريدون، ولنا القسم بكتاب الله، والطلاق" (ص163).

ظاهرة تطور المجتمع وتغير الثقافات والعادات والتقاليد:

نجح الكاتب في تصوير حالة التغيير والتطور في المجتمع من خلال شخصية الشاعر الذي يكان يعزف على الربابة لتسلية الناس في القهوة، واستبداله بجهاز الراديو. فنسمع المعلم كرشة يقول للشاعر: "والناس في أيامنا هذه لا يريدون الشاعر، وطالما طالبوني بالراديو" (ص10)، ويعقب الشيخ درويش: "ذهب الشاعر وجاء المذياع" (ص13)، كما يظهر هذا التطور في رغبة أهل حي زقاق المدق في تغيير حالهم، وسعيهم لتغيير واقعهم.

ظاهرة الانشغال بالفاحشة والدعارة:

في اللحظات الحالكة في تاريخ الأمم يلجأ الناس للفاحشة أو الدعارة للترويح عن النفس والتنفيس عن الكبت والضغوط والأزمات، وظهر ذلك الأثر جلياً في شخصيات الرواية، فنجد  الكاتب يصف حياة سليم علوان بأنها: "حياة رجل يستغرقه العمل نهاراً، والغريزة ليلاً" (ص72)، ثم يتحدث عن صينية الفريك بالحمام المحشو بجوز الطيب التي يتناولها كل يوم، فيقول: "تحدث مفعولها ليلاً، تحدث تأثيرها ليلاً ساعتين كاملتين في بهجة خالصة" (ص73)، ويتحدث عن أم حسين - امرأة المعلم كرشه- فيقول بأنها أصبحت: "في هم مقيم، فانقطاع عادة مألوفة لا يمكن أن يمر دون تساؤل" (ص77)، ويتحدث عن البنت الصغرى للمعلم كرشة وأنها: "اختفت بغتة في عامها الأول من الزواج، ثم ضبطت في بيت عامل في بولاق، وانتهى بها وبه المطاف إلي السجن" (ص78).

ويسلط الضوء على توزيع إعلان عنبر السنطوري المقوى الجنسي في قهوة المعلم كرشة أثناء الحملة الانتخابية للسيد إبراهيم فرحات (ص164)، ويصدمنا بقول فرج القواد لحميدة: "إن الضابط الأمريكي يدفع خمسين جنيهاً عن طيب خاطر ثمناً للعذراء!" (ص240)، ثم يصف حميدة بقوله: "وانتظمت في سلك الدعارة لؤلؤة منعدمة النظير" (ص276)، ويصف فرج القواد بقوله: "وتمخض العاشق عن تاجر الأعراض" (ص278)، وينهار عباس وهو يشاهد حميدة وهي تتراقص وتتمايل برفقة الجنود الإنجليز في الحانة (ص307).

التعليقات

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

مقالات ذات صلة
About Author
‪Hany Metwalli‬‏
21 followers

مؤلف وشاعر وكاتب محتوى هادف ومبرمج ومصمم مواقع إلكترونية

أحدث المقالات
فبراير ٧, ٢٠٢٣, ٩:٢٤ ص - Hana Osama
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٧:٠٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٦:٥٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٥:٥٢ م - مقالات ديفلانسر