تحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في شخصيات رواية زقاق المدق (الجزء الثاني)

ظاهرة كثرة الأولاد:

يكشف الكاتب النقاب عن ظاهرة أخرى منتشرة في المجتمع وهي السعي للإنجاب وكثرة الأولاد، والتي يظهر أثرها في شخصيات الرواية، فيتحدث عن السيد رضوان الحسيني فيقول: "ولم يبق له ولد على كثرة ما خلف من الأطفال" (ص12)، ويخبر عن أم حسين بأنها: "أنجبت بناتاً ستاً وذكراً واحداً هو حسين كرشه" (ص78)، وفي طيات حديث السيد سليم علوان لأم حميدة يقول: "غريب والله أمر هؤلاء الشباب! لا يكاد يجد الواحد منهم لقمته، ولكنه لا يجد بأساً من أن يتزوج ويخلف ويزحم الحارة أولاداً يلتقطون رزقهم من الزبالة" (147)، وحتى القصاب لديه زوجه وسبعة من الأطفال، وفتاة حسناء، كفلقة القمر (ص313).

ظاهرة المبالغة في محبة آل البيت:

منطقة الحسين والمناطق الشعبية المتاخمة لها، تلهج بحب آل البيت، بل وتبالغ في تقديسهم حد العبادة، وقد نطق عباس الحلو بكثير من العبارات التي تدل على تبجيل آل البيت والمبالغة في حبهم، فنراه يقول: "وحياة الحسين الذي يبارك هذا الحي الطاهر؟"، "وهذا الحسين يشهد قولي ويعلم بسريرتي"، "أحلف لك على صدقي بالحسين، وجد الحسين، ورب الحسين" (ص90)، "وما أحب أن أنأى عن الحسين الذي أقوم وأقعد باسمه" (ص114)، وتقول أم حسين كرشة: "مظلومة والله يا ربي ظلم الحسن والحسين" (ص123)، ونسمع أم حميدة تقول لحميدة: "مولودة في ليلة القدر والحسين!" (ص149)، وتسعى الست سنية عفيفي حفاظاً على زوجها لزيارة الحسين: "وفي سبيل هذا الغد المرتقب زارت الحسين ونذرت له ما تيسر من مال وثريد للفقراء الذين يحدقون بمسجده" (ص184)، ويقول السيد رضوان الحسيني لسليم علوان وهو مريض: "حلفتك بالحسين إلا ما جلست" (ص192)، ونجد أن السيد إبراهيم فرحات نائب الشعب يقول: "حلفتك بالحسين إلا ما لزمت مكانك" (ص159).

موضوعات مشابهمة: ملخص رواية زقاق المدق ، الجزء الأول من تحليل رواية زقاق المدق

ظاهرة انتشار السب واللعن والألفاظ النابية والعراك وانتشار اللغة العامية:

اللغة العامية هي لغة الحوار الأساسية في أغلب المناطق الشعبية القديمة، والسب والشتم اللعان يجري على ألسنتهم كالماء، ويظهر أثر ذلك على أغلب شخصيات الرواية يصف الكاتب أم حميدة، ويقول: "مؤرخة وراوية لأخبار السوء، ومعجم للمنكرات"(ص19)، ويتحدث عن حسنية الفرانة بأنها: "تنهال على زوجها جعيدة بالشبشب" (ص34)، ويفمغم البعض عن سليم علوان وصينية الفريك فيقولون: "يطفحها سماً بإذن الله" (ص73)، وأم حسين زوجة المعلم كرشة تقول لزوجها أمام الناس في القهوة: "يا حشاش، يا مذهول، يا وسخ، سفخص على وجهك الأسود" (ص107)، وهو يصفها بأنها: "لبؤة، فاجرة"( ص109)، وتسب أم حسين كرشة ابنها: "مالك؟ مالك يا ابن اللئيم؟" فيقول لها: "بيت قذر، زقاق نتن، أناس بهائم!" (ص119)، ويقول المعلم كرشة: "جننت يا ابن القديمة!" (ص121)، يبصق حسين كرشة على الزقاق ويقول: "غر ... انجر، لعنة الله عليك وعلى أهلك" (ص124).

والمعلمة حسنية الفرانة تقول لزيطة: " حذار يا ابن اللئيمة " (ص137)، وتقول: " ما شاء الله يا ابن الدائخة!" (ص140)، وأم حميدة تقول لحميدة: "الفاتحة ذنبها كبير"، وحميدة ترد: "بليها واشربي ماءها!" (154)، تستطرد أم حميدة: " آه يا بنت الثعبان!"، " طبعاً، طبعاً يا لقيطة الطوار ، يا ابنة المجهول" (ص155)، وحميدة تقول لفرج: "لست رجلاً... بل أنت قواد" (ص211)، والمعلم كرشة يسب زوجته: "تدافعين عنه يا بنت الأبالسة؟! كلكم جنس شياطين" (ص225).

ظاهرة انتشار الفساد والرذيلة والأخلاق الفاسدة في المجتمع:

فساد الأخلاق نتيجة حتمية لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ويظهر أثره على أغلب شخصيات الرواية، فحسين كرشه، من شطار الزقاق، معتد أثيم، ارتاد السينمات والملاهي، وعاقر الخمر ورافق النساء" (ص36)، وتقول أم حسين كرشة لابنها: "يقولون هربت أخته مع واحد، وسيهرب أبوه مع واحد آخر!" (ص119)، ويقول الشاعر للمعلم كرشة: "أراك تكثر من "الكيف" (ص9)، وزيطة يتعرى لحسنية فتضربه بالكوز فيسقط وهو يتلوى(ص141).

وتركب حميدة التاكسي مع فرج إبراهيم، فيقبلها، ويعرض عليها زيارة منزله في الدور الأول في عمارة كبيرة في شارع شريف باشا فتوافق، ويعرض عليها أن تكون عاهرة فتوافق (ص200-ص220).

ويقول فرج لحميدة: "هذا أول فصل في المدرسة ... فصل الرقص العربي" (ص233)، وهذا "فصل الرقص الغربي" (ص235)، والمرأة العارية لشرح الجنس باللغة الإنجليزية (ص237)، ويستطرد: "فالحانات والبنسيونات هي دور العلم الحقيقية" (ص238).

ونجد حسين كرشة وعباس الحلو في حانة فيتا يقول: "هذا عوكل بائع الجرائد، يبيع الجرائد في النهار ويسكر في الليل" (ص269)، ويتابع: "كأس النبيذ بقرش ونصف، كنت أشرب الويسكي في بار فنش" (ص270)، ويستخف فرج من طلب حميدة الزواج منه بقوله: "خبريني يا عزيزتي ألا يزال الناس يتزوجون؟" (ص282).

ظاهرة الصراع الطبقي، والفروق الطبقية الهائلة بين أفراد المجتمع:

في عصور التمزق الاجتماعي والسياسي ينقسم الناس إلي طبقات متفاوتة تفاوتاً كبيراً، وفي الرواية نجد شخصية سليم علوان والنائب إبراهيم فرحات، نماذج طبيعية للطبقات المترفة التي أفرزتها ظروف الحرب والسياسة، ونجد حميدة وأمها وعباس الحلو وعم كامل وحسنية الفرانة وزوجها نماذج للطبقات الكادحة المطحونة المنبوذة في المجتمع.

يقول الكاتب عن السيد سليم علوان: "بيته كالقصور، قصر منيف بالحلمية" ثم يستطرد: " وسطاً يضمر بلا ريب نوعاً من الاحتقار للمهن الحرة جميعاً" (ص69)،  وتقول أم حميدة لسليم علوان: "لسنا قد المقام يا سي السيد!" (ص145)، وينصح السيد رضوان الحسيني أم حميدة فيقول: "الحلو من طبقتها، والسيد من طبقة أخرى" (153)، ويصف الكاتب زوجة حسين كرشة بقوله: "أما  الفتاة فرفلت في فستان أنيق - بلا معطف ولا ملاءة- وقد بدت في مشيتها ذات وسامة ورشاقة وإن لم تخل من ابتذال يشي بطبقتها" (ص222).

ظاهرة المجتمع الذكوري الذي يحتقر المرأة ويستغلها ويسيء معاملتها:

وكعادة أغلب روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ؛ فإنه يمعن في نظرية "مظلومية المرأة"، وضياع حقوق المرأة المصرية في تلك الحقبة من قبل هذا المجتمع الذكور الظالم، الذي يهينها ويظلمها ويجردها من حقوقها ويعاملها أسوأ معاملة، بينما يحظى هذا الرجل - سي السيد- بكل الحقوق والحريات، فيقول على لسان حسين كرشة عن أبيه: "إنه رجل والرجل لا يعيبه شيء"(ص71)، ثم يستطرد الكاتب قائلاً: "أليس من حقه أن يفعل ما يشاء؟ وأليس من واجبها ان تطيع؟ وأن ترضى ما دامت حاجتها مقضية ورزقها موفور؟" (ص82)، ويستطرد في موقف آخر فيقول: "ولكن الحق علي، أنا أستاهل أكثر من هذا، مغفل من لا يبيت امرأته بالعصا" (ص109)، ويتابع الكاتب: "ولكن ينبغي ألا نسقط من حساب التقدير تقاليد الزمان والمكان، وما تسنه البيئة لسياسة المرأة وفلسفتها، وما تراه أكثرية أهل طبقته من وجوب معاملة المرأة كالطفل" (ص58).

ويتحدث عن استغلال الست سنية فيقول: "تزوجت الست سنية في شبابها من صاحب دكان روائح عطريه، نهب مالها وتركها أرملة منذ عشر سنوات"(ص21)، وتطلب منها أم حميدة أن تقوم بتجهز نفسها على نفقتها فتوافق على ذلك لأنه لاحول لها ولا قوة (ص130).

المراجع:

- زقاق المدق، نجيب محفوظ، مكتبة مصر، 1947م.

- الأبعاد السياسية والاجتماعية في الرواية العربية، نجوى طراد، شهرة بوبقيرة، 2017م، رسالة ماجيستير، جامعة العربي بن مهيدي بالجزائر.

- جدلية الحرية والعدالة في روايات نجيب محفوظ، جمانة مفيد، 2006م، رسالة دكتوراه، الجامعة الأردنية.

- الصراع الاجتماعي في رواية زقاق المدق، 205م، دييانتي، بحث لنيل الدرجة الجامعية الأولى (S.Hum)، جامعة شريف هداية الله بجاكرتا.

- صورة المرأة في روايات نجيب محفوظ، عليه مسير رسن، الجامعة المستنصرية، 2013م.

- الحرب العالمية الثانية، موقع الويكيبيديا.

- من هو نجيب محفوظ، جريدة الحياة، نسخة محفوظة بتاريخ 20 أبريل 2018م. 

التعليقات

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

مقالات ذات صلة
About Author
‪Hany Metwalli‬‏
21 followers

مؤلف وشاعر وكاتب محتوى هادف ومبرمج ومصمم مواقع إلكترونية

أحدث المقالات
فبراير ٧, ٢٠٢٣, ٩:٢٤ ص - Hana Osama
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٧:٠٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٦:٥٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٥:٥٢ م - مقالات ديفلانسر