في داخلي نقطة ما

   في داخلي نقطةٌ لا أمتلك حق الوصول إليها، نقطةٌ أعمقُ مما يظنُ الآخرون، وأوضح مما أعتقد، لكنني إلى الآن لم أستطع حتى بلوغ شيءٍ منها. تصرخ في أعماقي لتقول لي بأن علي فعل المزيد كلَّ يومٍ، وإن هزتني ريح اليأسِ مرةً أنْ أحيط نفسي بجدارٍ لا تُدركني بعده الريح مرة أخرى، وكلما زادت شدة اليأس زدتُ ارتفاع الجدار. كأنها تقول لي: سنلتقي حين أكون شيء ما، أو ربما حين أجد نفسي بين سطور قصة ما، قصة تخصني وتصفني وتحتفي بي، كأنها تريدني أن أصنع حياتي، وأن أكتب كلماتي، وأن أستمر بالاستيقاظ بتلهف للوصول إلى حقيقتي. شيءٌ عميقٌ داخلي يقول بأن علي البقاء قوية مهما اشتدت ريح الحياة، ومهما عصفت بي الدنيا.

   وداخلُ أي شخصٍ منا نقطة كتلك، لكنها لا تبدو قوية في جميعنا كما كنت أظن وقت أن لمت الآخرين على استسلامهم المبكر، ورضوخهم لواقعٍ مر، وعدم محاربة هذه الحياة، لكن الآن بعد كلّ ما مررت به، أدركت أنه يجدر بنا أحيانًا أن نستلقي هكذا دون فعل شيء، كهدنة سلام بيننا وبين الحياة، لتعود لنا سكينتنا وتضفي علينا طابعَ قوةٍ كبرى إن نحن عدنا للمواجهةِ. أمّا عمن كان خيارهم الاستسلام، فإن الحرب التي تجبرهم الحياة بعد ذلك على خوضها أشد وطئًا.

   وأنظر إلى هذه الحقيقة التي لا يجدر بأحدٍ إنكارها فأرى أننا في كلتا الحالتين سنواجه الحياة، فإما أن نواجهها برغبتنا ونفوز بأحلامنا، أو نرضى بأسرها إيانا مع مداومة أعمال السجن الشاقة حتى نهاية طريق عمرنا. وكلا الطريقين صعب الخطوات يتطلب كثيرًا من الجهد، ستبكي وتضحك في كليهما، وتسهر وتغفو، تحب وتكره، ترتفع وتنخفض، تكسر وتجبر. لذلك دوّن خطتك، واشحذ همتك، وابدأ الطريق الذي يناسبك.

   في طريقنا نحو أمرٍ ما، سيلتهمنا القلق وتتشربنا حقائق الواقع المرة، سنطير كثيرًا بأحلامنا حتى نرتطم بسقف الحياة، نتألم فنحاول كسره والخروج من قيدنا، أو نتألم فنظن أنها نهاية النفق، نفق الوهم، وكل شيء سيذهب إلى اللامعنى.

   سنلوم الحياة لأنها منحت سوانا ما لم تمنحنا، سنظن أن أحدهم ولد ومعلقة الذهب في فمه ونغفل عن حقيقة أنَّ هذا سيرغمه على إبقاء فمه مشدودًا عليها حتى يتمكن من حفظها، فيكون همه أكبر لأنه لم يعرف معاناة الفقر التي يعيشها غيره. وآخر ولد فلم يجد ما يلف به نفسه حين خرج من رحم أمه للحياة، فبكى أول الأمر ثم عاند وعانى في الحياة حتى كبر ووجد.

   ويخيل إليّ الآن أن أشد الناس حُمقًا هم أولئك الذين يقفون في الممرات يراقبون الأبطال، لا بدافع الحب أو الرغبة في الالتحاق بهم، بل ليجدوا لهم عيبًا يشبع نقصهم، محققين بذلك إشباعًا لذاتهم الخفية التي ولدها شعورُ العجز داخلهم. فإن أنت يومًا سمعت ما يكسر سعادتك، ويعرقل مسيرة نجاحك، وإن أنت حقًا كنت تمشي في حياتك وهدفك نصب عينيك، فلا تبالِ بما يقولون، خذ النصح واعمل به، ودع الذم وابنِ منه صرحًا تعتليه لتراقب من ألقوه عليك ذات يوم.

 

هناء أسامة

Comments
mohamed mahfoz - Oct 7, 2022, 10:18 PM - Add Reply

nice

You must be logged in to post a comment.
Latifa - Oct 8, 2022, 12:39 PM - Add Reply

Reply

You must be logged in to post a comment.
SOUHAIL - Oct 13, 2022, 9:04 PM - Add Reply

NICE

You must be logged in to post a comment.

You must be logged in to post a comment.

About Author
Hana Osama
32 followers

طالبة طب، كاتبة ورسامة ومصورة