الأدب في خدمة العقل الجمعي

صحيح أن الكتاب الرومانسيين تجاوزوا إكراهات الكتابة الكلاسيكية وتحرروا من سلطوية القوانين المجحفة للفن والإبداع والخيال الأدبي، لكن (ألفريد دي موسيه) تجاوز -بالكثير من التمرد- تجديدات عصره لأبعد ما يكون، ليصبح أول من يقترح مسرحاً للقراءة حصراً وليس للخشبة كما عهده الناس منذ القرن السابع عشر. وربما أفضل شاهد على تمرد موسيه في الكتابة والفن هي مسرحية (لورانزاسيو)، حيث يعود بنا الكاتب إلى أيطاليا، في قلب فلورنسا، وفي أوج عصر النهضة. طول الأحداث، والشخصيات، والنهاية الدراماتيكية للقصة هو انفراد جلي يميز مسرح (موسيه) في التيار الرومانسي.

 

(لورانزو) الملقب بـ(لورانزاتشو) سيعيش طوال المسرحية في صراع خفي مع عمه ألكساندر دي ميديسي؛ حاكم فلورنسا، والذي يعتبر لورانزو يده اليمنى. استغلال ألفريد دي موسيه لهذا التضارب الصارخ بين الملك والبطل ذكي جداً، لأنه يضع تحت المجهر الأوجه المتعددة للحكم، حيث جعل الملك يقترف كل الشرور، ويحكم بظلم، ويستبيح كل النساء لصالح نزواته. مقتل الملك على يد ابن أخيه هو مغزى القصة وما تدور عليه. البطل لم يقتل الملك فقط، بل قتل كل الظلم والتسلط والجور والنزوات الشيطانية المرعبة. هنا يظهر الوجه الفلسفي للقصة حيت يتساءل الكاتب ضمنياً عن منفعة الشر. الشر -بعكس ما يبدو- ليس دائما بهذا السوء، فالقتل في بعض الأحيان قد يكون أنبل فعل قد يقوم به الإنسان.

 

يجب على كل قارئ للأدب أن لا يعتبر النص كقطعة جامدة، بل عليه إعمال عقله في النص لاستخلاص النوايا الدفينة والضمنية لكاتبه، لأن الكاتب لا يمارس الكتابة فقط كوظيفة، بل كواجب إنساني تدفعه إليه موهبته وفهمه للوجود والتاريخ والفلسفة. الأدب كما قال (ألبير كامو) ليس متعة شخصية في وحدة الكاتب، بل هي وسيلة لإلهام وإبهار أكبر عدد من الناس عن طريق منحهم صورة مميزة عن الفرح والألم، على حد تعبيره.

 

قد تكون رواية يقرأها المرء بكل جوارحه سبيله الوحيد للتخلص من براثين الجهل والأحكام السريعة، ونافذته الوحيدة لفهم ما يقع في نفسه أولاً ثم في من يعاصرهم، وقد تكون مرجعه الأول والأخير للحكم بكل موضوعية على الأحداث التاريخية، ولفهم كواليس لعبة السياسة في بلده، وزاده الكامل في إغناء ضميره الفكري بالفلسفة التي لا يمكن أن يصادفها في المقاهي التي يرتادها.



بقلم الكاتب: حميد بلحسين

التعليقات
Elghazali yassine - يوليو ٢, ٢٠٢٢, ٨:٤٧ م - إضافة رد

https://www.divlancer.com/7401

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
Ayoub - يوليو ١٨, ٢٠٢٢, ١١:١٣ ص - إضافة رد

Bien

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
ZARAE CINE - يوليو ٢٤, ٢٠٢٢, ١١:٢١ ص - إضافة رد

👍

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
Esbiba - سبتمبر ١, ٢٠٢٢, ١٢:٤٤ ص - إضافة رد

https://www.youtube.com/redirect?event=video_description&redir_token=QUFFLUhqa2JZS1lYbjQ2SUFpUTVyLUx5YVlUeHVEVU9oZ3xBQ3Jtc0tsYlprZFgzSFhrNHNjQjhlcjJ5MnNRSW5iSTNWNmhCQTZMbTBWZmFLdzMtMmpuSlBBQW9jUnpfRzRvUjJ0VnowazNzd0JuaHRRU1dZTHdiamZobnFwTGRCUzVVOTlWazUwM1VDNGttUGI3cFNwWFptZw&q=https%3A%2F%2Fwww.divlancer.com%2F&v=BYJxQwh1o-s

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

About Author
ZARAE CINE
28 followers

أحدث المقالات
فبراير ٧, ٢٠٢٣, ٩:٢٤ ص - Hana Osama
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٧:٠٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٦:٥٤ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٥:٥٢ م - مقالات ديفلانسر
فبراير ٦, ٢٠٢٣, ٥:٣٥ م - هنادي