سيزيف ، صراع الصخرة والمعنى

إذا كان هناك فيلسوف في القرن العشرين أطر مفهوم العبثية بكل دقة وجرأة فهو لا محالة "البير كامو" ؛ في بداية علاقتهما كان ألبير كامو وجون بول سارتر يحتضنان نفس المفهوم ونفس التوجه الفكري عن التيار الوجودي الذي يجعل من الانسان مركز اهتماماته ، لكن سرعان ما تحولت علاقتهما الى تبادل الرشق بالنقد اللاذع عن تصور كل منهما عن الوجودية ، او بالأحرى عن منظور كل منهما عن الجو العام للمنظور الفلسفي الوجودي .

 

"كامو" لم يكن يحب التقليد والانتماءات الفكرية التي لا تقبل التفاوض ، فقرر الانفراد في كتاباته الأدبية والفلسفية بموضوع لم يسبق لأحد من الكتاب أن تطرق له بتلك الكثافة من التدقيق والاستدلال ؛ المعنى أو غياب المعنى ، عبثية الوجود وبحث الانسان عن معنى للحياة والألم . 

 

في روايته الشهيرة " الغريب " خلق " كامو" شخصية تعبر عن العبثية بصورة مرعبة " ميرزو " الذي تلقى خبر وفاة أمه في أحد ملاجئ المسنين ، واجه " ميرزو " هذا الخبر بكل برود ودخن سيجارته ولم يتأثر حتى ، وفي الصباح ذهب لتشييع جثة أمه بحضور أصدقاءها وإدارة الملجأ ليصدموا بجمود البطل وعدم تأثره حتى بفراق والدته بل طلب كوبا من القهوة وخرج ليدخن كما العادة .

 

محطات الأحداث في الرواية كانت عبثية بكل المقاييس ، فالبطل يمضي وقته في أكل البطاطس وتدخين السجائر وهو يتأمل المارة من نافذته ولا يعير أي شيء أي اهتمام على الإطلاق ، حتى حين يتسكع مع بعض أصدقاءه لم يكن يولي الأخبار المثيرة في البلد أي اهتمام ، بل حتى عندما قالت له صديقته بكل حماس بأنها تود ان تتزوجه أجابها بكل برود : " حسنا كما تريدين " 

 

هذا الجمود واللامبالاة ما هما الا تعبير واحد وصريح عن غموض العالم وغياب أي معنى لأي شيء ، الصمت غير المبرر للكون أمام المعاناة والصراخ والاستنجاد المتواصل للإنسان .

 

في كتابه " أسطورة سيزيف " يعالج ألبير كامو القضية المركزية في مفهوم العبثية وهو " المعنى " ، " سيزيف " في الميثولوجيا اليونانية محكوم عليه من طرف الآلهة بسبب عصيانه بأن يقوم بدحرجة صخرة عملاقة إلى أعلى قمة جبلية لتسقط الصخرة من تلقاء وزنها ليعود باستمرار لرفعها الى ما لا نهاية  ، لقد ظنت الالهة بأنه ليس هناك عقاب قاسٍ اكثر من العمل الشاق بدون أي معنى أو هدف كما قال الكاتب . 

 

الانتحار أيضا اولوية قصوى في "أسطورة سيزيف " بحيث يعتبر الفيلسوف بأن السؤال الفلسفي الأكثر جدية هو الانتحار ، الحكم على ما إذا كانت الحياة تستحق أو لا تستحق أن تعاش هو بمثابة الإجابة عن السؤال التمهيدي للفلسفة كلها . ويذهب كامو إلى أن الصدمات العاطفية ليست إلا أسباب ثانوية لهذا الفعل , ويعتبر بأن غياب المعنى هو السبب الرئيسي الذي يدفع الإنسان لوضع حد لعبثية وجوده . 

 

يوجد صراع قوي بين السماء والمصالح الأرضية ؛ بتعبير آخر صمت الكون هو الذي يدفع الناس إلى المرتفعات الشاهقة .

 

في نهاية كتاب " أسطورة سيزيف " يقول الكاتب بأنه يجب علينا أن نتخيل سيزيف سعيدا ، لأن سيزيف يعلم جيدا بأن عمله لا قيمة له وأن شقاءه وصراعه مع الصخرة هو المعنى لكل وجوده ، سيزيف لا ينتظر نتيجة لصعود الصخرة أو سقوطها ، هو فقط يستمتع بقضاء الوقت مع شيء لا يستطيع تغييره او استبداله . 

 

لا يجب على الانسان البحث عن معنى في عالم بدون معنى ، الاستيقاظ في الصباح وتناول الفطور ومغادرة المنزل هو المعنى الذي لا ينتبه له الإنسان ، إذ أن المعنى ليس في نهاية الأشياء بل في مزاولتها والإحساس بوزنها .

 

بقلم الكاتب: حميد بلحسين

 

 

Comments
Ahmed - Jul 5, 2022, 3:20 PM - Add Reply

ولهذا كانت النعمة العظمى التي تفضل بها رب العالمين على الإنسان المسلم أن جعل له معنى يعيش لأجله، وهو عبادته سبحانه وتعالى، كما رتب عليه جنة خلد لا يشقى فيها أبدًا.

You must be logged in to post a comment.

You must be logged in to post a comment.

About Author
Belhoucine Hamid
9 followers